في مساء الخامس من يونيو 2025، شهدت سماء جنوب سيبيريا وكازاخستان ظاهرة غامضة أثارت فضول الملايين جسم مشتعل يتفتت ويتحرك بسرعة عبر السماء، مخلفًا وراءه ذيلًا مضيئًا أذهل المتابعين.
انتشرت مقاطع الفيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث سجل السكان في مناطق أومسك وكورغان الروسيتين، وبعض المناطق في كازاخستان وقرغيزيا، هذا الحدث اللافت.
تنوعت التفسيرات بين من رأى فيه مذنبًا، ومن اعتقد أنه كائنات فضائية، وصولًا إلى من رجح أن يكون مجرد ألعاب نارية. لكن الحقيقة، كما كشف لاحقًا، كانت أكثر تعقيدًا وإثارة للاهتمام.
بعد ساعات من الجدل، أصدر مجمع “أستروفورم أومسك” الفلكي الروسي بيانًا أوضح فيه طبيعة الجسم الغامض. كان الجسم عبارة عن بقايا صاروخ صيني من طراز “تشانغ تشنغ 6″، والذي أُطلق في نفس اليوم لنقل 18 قمرًا صناعيًا من طراز “تشيان فان” إلى مدار قطبي حول الأرض.
هذه الأقمار تمثل جزءًا من مشروع صيني طموح يهدف إلى بناء شبكة اتصالات فضائية مشابهة لشبكة “ستارلينك” التي أطلقتها شركة سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك.
تشانغ تشنغ 6، المعروف أيضًا باسم “السور العظيم 6″، هو صاروخ ثقيل مصمم لنقل الأحمال الكبيرة إلى المدارات العالية. ويتميز باستخدامه للأكسجين السائل والكيروسين كوقود، وهي مواد آمنة بيئيًا نسبيًا مقارنة بأنواع الوقود الأخرى المستخدمة في الصواريخ التقليدية.
عندما يحترق هذا الوقود أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، يتسبب في ظهور وهج مشتعل يشبه إلى حد كبير الشهب أو الألعاب النارية، مما يفسر المشهد المذهل الذي شوهد في السماء.
لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، فقد أصبحت مشاهدات الحطام الفضائي المشتعل في السماء ظاهرة متكررة في السنوات الأخيرة. هناك عدة أسباب وراء هذا الارتفاع الملحوظ في مثل هذه الأحداث.
أولاً، شهدت صناعة الفضاء نموًا غير مسبوق في عدد عمليات إطلاق الصواريخ. في عام 2024 وحده، تم تسجيل أكثر من 2000 عملية إطلاق صاروخي حول العالم، وهو رقم قياسي يعكس التنافس المتزايد بين الدول والشركات الخاصة في سباق الفضاء.
ثانيًا، تراكم الأقمار الصناعية القديمة في مدار الأرض يلعب دورًا كبيرًا. يُقدر أن هناك أكثر من 36,000 جسم يمكن تتبعه في المدار، منها حوالي 8,000 قمر صناعي نشط، بينما البقية عبارة عن حطام أو أقمار قديمة لم تعد تعمل. هذه الأجسام، عندما تبدأ في العودة إلى الغلاف الجوي، غالبًا ما تحترق وتنتج مشاهد بصرية مذهلة.
على الرغم من أن الحطام المشتعل في السماء قد يبدو مثيرًا، إلا أنه يثير تساؤلات حول تأثيره على البيئة. في حالة صاروخ تشانغ تشنغ 6، أكد الخبراء أن الوقود المستخدم (الأكسجين السائل والكيروسين) لا يشكل خطرًا كبيرًا على البيئة، حيث يتحلل إلى مركبات غير ضارة أثناء الاحتراق.
ومع ذلك، هناك مخاوف متزايدة بشأن أنواع أخرى من الحطام الفضائي، خاصة تلك التي تحتوي على مواد كيميائية سامة أو معادن ثقيلة قد تصل إلى سطح الأرض.
على سبيل المثال، بعض الصواريخ القديمة كانت تستخدم وقودًا مثل الهيدرازين، وهو مادة شديدة السمية ، ولحسن الحظ، معظم وكالات الفضاء الحديثة، بما في ذلك برنامج الفضاء الصيني، تحولت إلى استخدام وقود أكثر أمانًا.
ومع ذلك، فإن تراكم الحطام في المدار يشكل تحديًا آخر، حيث تزداد مخاطر الاصطدامات بين الأقمار الصناعية النشطة والحطام، مما قد يؤدي إلى تفاقم مشكلة الحطام الفضائي.
مع تزايد عدد الأجسام في المدار، أصبح تتبع الحطام الفضائي ضرورة ملحة. تعتمد وكالات الفضاء مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) على شبكات رادار متطورة وتلسكوبات أرضية لمراقبة الأجسام التي يزيد حجمها عن 10 سنتيمترات في المدار المنخفض. هذه التقنيات قادرة على تتبع ما يقرب من 36,000 جسم، لكن الأجسام الأصغر حجمًا، مثل البراغي أو الشظايا الصغيرة، تشكل تحديًا كبيرًا بسبب صعوبة رصدها.
في السنوات الأخيرة، بدأت شركات خاصة مثل “ليو لابس” (LeoLabs) في تقديم خدمات تتبع الحطام باستخدام رادارات متقدمة تعمل بالذكاء الاصطناعي. هذه الأنظمة تحلل مسارات الأجسام وتتنبأ باحتمالات التصادم، مما يساعد في حماية الأقمار الصناعية النشطة. في حالة صاروخ تشانغ تشنغ 6، كان من الممكن تتبع بقاياه عبر هذه الأنظمة، مما سمح للعلماء بتحديد طبيعته بسرعة.
لتقليل تراكم الحطام، تعمل الشركات والوكالات على ابتكارات جديدة. على سبيل المثال، يتم تطوير أقمار صناعية “ذاتية التدمير” تحترق بالكامل عند دخولها الغلاف الجوي، مما يقلل من المخلفات. كما تُجرى تجارب على أشرعة شمسية يمكن أن تُستخدم لسحب الأقمار القديمة إلى الغلاف الجوي بسرعة أكبر. مشروع “SailDrag” الياباني، على سبيل المثال، يهدف إلى تجهيز الأقمار بأشرعة كهرومغناطيسية تتفاعل مع المجال المغناطيسي للأرض لتسريع عملية التحلل.
التحدي الأكبر في إدارة الحطام الفضائي هو الحاجة إلى تعاون دولي. لا توجد حاليًا قوانين ملزمة عالميًا تحد من إطلاق الأقمار أو تفرض إزالة الحطام. ومع ذلك، تقود لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية (COPUOS) جهودًا لوضع إرشادات طوعية. هذه الإرشادات تشجع الدول على تصميم صواريخ وأقمار تقلل من الحطام، مثل استخدام مراحل صاروخية قابلة لإعادة الاستخدام، كما تفعل سبيس إكس.
في المستقبل، قد نشهد معاهدات دولية تلزم الدول والشركات بإزالة حطامها الفضائي خلال فترة زمنية محددة بعد انتهاء مهمة القمر الصناعي. هذا النوع من التشريعات قد يحد من الظواهر مثل تلك التي شوهدت في سيبيريا وكازاخستان.
الحطام الفضائي لا يؤثر فقط على الغلاف الجوي أو المشاهدات الأرضية، بل يشكل خطرًا على الملاحة الفضائية. على سبيل المثال، محطة الفضاء الدولية (ISS) اضطرت عدة مرات إلى تغيير مسارها لتجنب الاصطدام بحطام. في عام 2021، تسبب اختبار روسي لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية في إنتاج آلاف الشظايا، مما زاد من المخاطر في المدار المنخفض. هذه الحادثة أثارت جدلاً دوليًا حول الحاجة إلى حظر اختبارات الأسلحة الفضائية.
إدارة الحطام الفضائي ليست مجرد مسألة بيئية أو تقنية، بل لها أبعاد اقتصادية. يُقدر أن تكلفة إزالة قمر صناعي واحد من المدار قد تصل إلى ملايين الدولارات. ومع ذلك، فإن الاستثمار في تقنيات إزالة الحطام قد يكون مربحًا على المدى الطويل، حيث يحمي الأقمار الصناعية النشطة التي تكلف مليارات الدولارات. شركات مثل “Astroscale” اليابانية تعمل على تطوير مركبات فضائية مخصصة لالتقاط الحطام، مما قد يفتح سوقًا جديدًا في اقتصاد الفضاء.
مع تزايد مشاهدات الحطام الفضائي، هناك حاجة متزايدة لتثقيف الجمهور حول هذه الظاهرة. يمكن للمدارس والجامعات أن تلعب دورًا في تعليم الطلاب عن الفضاء وتأثير الأنشطة البشرية عليه. برامج مثل “Space for All” التي تديرها منظمات غير حكومية تهدف إلى نشر الوعي بأهمية الحفاظ على المدارات النظيفة. في سيبيريا وكازاخستان، يمكن أن تُستغل هذه الأحداث لتشجيع السكان المحليين على دراسة علوم الفضاء والمساهمة في الحلول المستقبلية.
ظاهرة الحطام المشتعل في سماء سيبيريا وكازاخستان ليست مجرد حدث عابر، بل تعكس التحديات والفرص في عصر الفضاء الحديث. مع استمرار التقدم التكنولوجي، يجب أن يترافق ذلك مع مسؤولية مشتركة للحفاظ على الفضاء نظيفًا وآمنًا. من خلال الابتكارات التكنولوجية، التعاون الدولي، والتوعية العامة، يمكننا تقليل تأثير الحطام الفضائي وضمان استمرار استكشاف الفضاء للأجيال القادمة
في لقاء يجسّد سياسة الإمارات في تعزيز الحوار الديني وبناء جسور التعاون الإنساني، استقبل الرئيس الإماراتي الشيخ محمد…